محمد أبو زهرة
48
المعجزة الكبرى القرآن
الأمر الثاني - في المسابقات البيانية التي كانت تعقد في الأسواق في موسم الحج في عكاظ ، ومجنة ، وذي المجاز ، فقد كانت فيها تجارة المادة ، وتجارة البيان معا ، فقد كان في الأولى زاد الجسم ، وفي الثانية زاد النفس ، كما ظهر ذلك في الشعر ومسابقاته ، فمن معلقات تعلق في أستار الكعبة ، وحوليات يقطع الحول في نسج خيالها ، وصوغ عباراتها التي تصغى إليها الأفئدة . ولو أنك وازنت بين العرب وغيرهم ممن هم في مثل حالهم من البداوة الغالبة ، لوجدتهم في السماك الأعزل وغيرهم في الحضيض الأوهد ، فلا يزال الحاضرون من غير العرب يجدون في شعر زهير بن أبي سلمى حكمة البيان الشعرى ، وفي شعر امرئ القيس قوة الوصف وفورة الشباب ، وفي شعر عنترة قوة البأس ولطف التشبيب والغزل ، وفي شعر طرفة قوة النفس الثائرة ، وهكذا لو وازنت بين هذه الآثار ، وما بقي من شعر اليونان والرومان لوجدتها لا تقل عنها في إحكام الفكرة ، وسلامة التفكير ، ولكن تزيد عليها في حلاوة النغم ، وتساوق الفكر ، وتآخى الألفاظ مع المعاني . نعم إن الأدب القصصى في اليونان كثير ، وهو خلاصة ما عندهم ولبه ، وهو عند العرب قليل أو أقل من القليل ، والسبب في ذلك هو أن هذا ثمرة الكتابة التي تتيح للكاتب فرصة التأليف وتلفيق الوقائع ، بحيث تكون كل واقعة لفق الأخرى مسلسلة معها ، في خيال متسق ، وهكذا . أما العرب الذين غلبت عليهم الأمية مع تذوق القول ، وتخير خيره ، واستهجان هجينه ، فإن أدبهم يكون باللمح السريع ، والنظر الخاطف أحيانا ، والمستبصر المتدبر في أكثر الأحيان عند الذين أوتوا فكرا وعقلا وإدراكا ، وفي الجملة لا وسط بين كلامهم وجنانهم ، ولا زمن مستغرق بين خاطرهم وقولهم ، فتكون خيالاتهم فيها جمال اللمح ، وقوة اللحظ ، وسرعة الإدراك . 27 - ولذلك أجمع المؤرخون في القديم والحديث على أن العرب لهم مآثر في البيان ، وذوق الكلام ، والتفريق بين كريمه وسقيمه ، وجميله وهجينه . ولنترك الكلمة للقاضي عياض المتوفى سنة 544 ه يصف بيانهم في كتابه الشفاء ، فهو يقول : « خصوا من البلاغة والحكم بما لم يخص به غيرهم من الأمم ، وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان ، ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب ، وجعل اللّه لهم ذلك طبعا وخلقة ، وفيهم غريزة وقوة ، يأتون منه على البديهة بالعجب ، ويدلون به إلى كل سبب ، فيخطبون بديها في المقامات وشديد الخطب ، ويرتجزون به بين الطعن والضرب ، ويمدحون ويقدحون ، ويتوسلون ويتوصلون ، ويرفعون ويضعون ، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال ، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآلئ ، فيخدعون الألباب ، ويذللون الصعاب ، ويذهبون الإحن ويهيجون الدمن ، ويجرءون الجبان . . . منهم البدوي ذو اللفظ الجزل والقول الفصل ، والكلام الفخم والطبع